ابن عطاء الله السكندري
37
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
البصير الموفق لا تراه إلا مشغولا بحقوق اللّه وامتثال أوامره عن محاب نفسه ومهماتها فلما كان كذلك قام له الحق سبحانه تعالى بكل أوامره وتوجه له بجزيل عطائه لصدقه في توكله لقوله تعالى : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 ) [ الطلاق : 3 ] ، والعاقل ليس كذلك لا تجده إلا في تحصيل دنياه وفي الأشياء التي توصله إلى هواه ؛ ومثال العبد مع اللّه في هذه الدار كالطفل مع أمه ولم تكن الأم لتدع تدبير ولدها في كفالتها ولا أن تخرجه من رعايتها كذلك المؤمن مع اللّه قائم له بحسن الكفالة فهو سائق إليه المنن ودافع عنه المحن ؛ ومثال العبد في الدنيا كمثل عبد قال له السيد اذهب إلى أرض كذا وكذا وأحكم أمرك لأن تسافر منها في برية كذا وكذا وخذ أهبتك وعدتك فإذا أذن له السيد في ذلك فمعلوم أنه قد أباح له أن يأكل ما يستعين به على إقامة بنيته ليسعى في طلب العدة وليقوم بوجود الأهبة كذلك العبد مع اللّه أوجده في هذه الدار وأمره أن يتزود منها لمعاده فقال تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) [ البقرة : 197 ] ، فمعلوم أنه إذا أمره بالزاد للآخرة فقد أباح له أن يأخذ من الدنيا ما يستعين به على تزوده إلى الآخرة واستعداده وتأهبه لمعاده ؛ ومثال العبد مع اللّه كمثل أجير أتى به ملك إلى داره وأمره أن يعمل عملا فما كان الملك يأتي بالأجير ويستخدمه في داره ويتركه من غير تغذية إذا هو أكرم من ذلك فكذلك العبد مع اللّه فالدنيا دار اللّه والأجير هو أنت والعمل هو الطاعة والأجرة هي الجنة ولم يكن اللّه ليأمرك بالعمل ولا يسوق لك ما به تستعين عليه إلا لخيرك ؛ ومثال العبد مع اللّه تعال كمثل عبد أمره الملك أن يقيم في أرض كذا ويحارب فيها العدو ويجاهده فيها فمعلوم أنه إذا أمره بذلك أباح له أن يأكل من مخازن تلك الأرض بالأمانة ليستعين به على محاربة العدو وكذلك العباد أمرهم الحق سبحانه وتعالى بمحاربة النفس والشيطان ومجاهدتهما لقوله تعالى : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 78 ) [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ